صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

55

تفسير القرآن الكريم

الجسم البخاري القلبي ، المشابه للجرم السماوي المنعوت بقوله تعالى : « وَهِيَ دُخانٌ » [ 41 / 11 ] فأراد أن يشير عقيب ذكر إحسان خلق كل شيء إلى كيفية خلقة الإنسان الذي هو الثمرة لوجود الخلائق . ثم لما كانت حقيقة الإنسان ذات جهتين ، مركبة من أصلين هما خلاصة العالمين : بدن هو صفوة الأجسام العنصرية ، وروح هي صفوة الأرواح - كما أن العالم بتمامه منقسم إلى غيب وشهادة - كذلك الإنسان الذي هو على صورة العالم عالم صغير مشتمل على غيب وشهادة ، أي روح وجسم ، فأشار إلى أصل تكونّ كل منهما وقدّم بيان نشوء البدن على بيان نشوء الروح ، لكونه أظهر وجودا وأجلى معرفة على المتوطنين في دار المحسوسات ، فقال مشيرا إلى إنشاء البدن : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » هذا بحسب أصل خلقته الحدوثية في أول شخص وجد كآدم عليه السّلام فإنه كان إنسانا تولد من غير مادة باقية من شخص آخر أو شخصين ، استعدت لوجود ذلك الإنسان استعدادا قريبا . ثم قال : « وجعل نسله من ماء مهين » ، وهذا بحسب وجوده البقائي التوالدي ، الحاصل من بقية أصل بدني ، كان جزء من بدن مماثل للبدن اللاحق المسمى بالنسل ، أي الذرية ، وإنما سميت ذرية الإنسان نسلا له ، لأنها تنسل منه ، أي تنفصل منه وتخرج من صلبه ، ونحوه قولهم للولد « سليل » و « نجل » . وقال مشيرا إلى إنشاء الروح وإبداعها « ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » ونعم ما قال الزمخشري من قوله : ودلّ بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو ، كقوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ 17 / 85 ] . واعلم إن الخطب في الروح عظيم والكلام فيه طويل ، قلّ من الحكماء من حصّل معناه ، وقلّ من النظار من بلغ إلى فحواه ، وليس هذا الروح المذكور في هذا الموضع ما أثبته الأطباء وهو الجرم الشبيه بالأجرام السماوية ، لصفائه واعتداله